اطلب تقييم عملك
المنهجية

بناء الاستبانة خطوة بخطوة: من الأهداف إلى الصدق والثبات

دليل عملي لبناء استبانة بحثية محكمة: من تحويل الأسئلة إلى محاور، إلى قواعد صياغة العبارات، ومقياس ليكرت، والتحكيم، والتجربة الاستطلاعية، والترجمة العكسية.

قراءة في ٥ دقائق·هيئة تحرير رسالتي

الاستبانة أكثر أدوات جمع البيانات استخدامًا في الدراسات الوصفية، لكنها أيضًا من أكثر الأدوات التي يُستهان بها. فكثير من الطلاب يجمعون عبارات من استبانات سابقة ويرتبونها في محاور، ثم يفاجؤون بملاحظات المحكمين أو بمعامل ثبات منخفض. والسبب غالبًا أن بناء الاستبانة لم يبدأ من أهداف الدراسة.

في هذا المقال ستتعلم بناء الاستبانة خطوة بخطوة: من تحديد الأهداف والمحاور، إلى صياغة العبارات واختيار مقياس الاستجابة، ثم التحكيم والتطبيق الاستطلاعي والتحقق من الصدق والثبات، مع ملاحظة مهمة عن ترجمة المقاييس الأجنبية.

الخطوة الأولى: حدد هدف الاستبانة من أسئلة الدراسة

الاستبانة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لجمع بيانات تجيب عن أسئلة محددة. لذلك ابدأ بكتابة أسئلة دراستك، ثم حدد لكل سؤال: ما المعلومات التي أحتاجها للإجابة عنه؟ ومن الذي يملك هذه المعلومات؟

إذا كان سؤالك: «ما درجة ممارسة قائدي المدارس الثانوية للقيادة التشاركية من وجهة نظر المعلمين؟» فإن هدف الاستبانة قياس هذه الدرجة، والمستجيبون هم المعلمون لا القادة. وهذا التحديد يمنعك من إضافة عبارات لا علاقة لها بأسئلتك.

قبل أن تبدأ: ابحث عن مقياس جاهز موثوق يقيس المتغير نفسه. فتبني مقياس معروف أو تكييفه، مع الإذن من أصحابه عند الحاجة، قد يكون أفضل من بناء أداة جديدة كليًا.

الخطوة الثانية: حوّل المتغيرات إلى محاور ثم إلى عبارات

ارجع إلى الإطار النظري والدراسات السابقة لتحديد الأبعاد التي يتكون منها كل متغير. فمتغير «القيادة التشاركية» مثلًا قد يتكون من أبعاد مثل: المشاركة في اتخاذ القرار، وتفويض الصلاحيات، والتواصل. وكل بعد يصبح محورًا في الاستبانة.

ثم اكتب لكل محور عبارات تقيسه بصورة مباشرة. ولا يوجد عدد ثابت للعبارات، لكن احرص على أن يكون عدد العبارات كافيًا لتغطية البعد، ومتوازنًا بين المحاور، دون إطالة تُتعب المستجيب.

وتتكون الاستبانة عادة من ثلاثة أجزاء:

  1. خطاب تمهيدي: يعرّف بالباحث والدراسة وهدفها، ويؤكد سرية البيانات واستخدامها لأغراض البحث فقط، وأن المشاركة طوعية، ويذكر الوقت التقريبي للإجابة.
  2. البيانات الأولية: المتغيرات الديموغرافية التي ستستخدمها فعلًا في التحليل فقط، مثل المؤهل وسنوات الخبرة.
  3. محاور الاستبانة: العبارات مرتبة بحسب المحاور.

مثال تطبيقي: من سؤال البحث إلى عبارات الاستبانة

لنفترض باحثة في قطر تدرس السؤال الآتي: «ما درجة توظيف معلمات المرحلة الابتدائية لأدوات التقويم الإلكتروني من وجهة نظرهن؟». يوضح الجدول كيف يتحول السؤال إلى محاور ثم إلى عبارات، والمثال توضيحي فقط:

المحورأمثلة على العبارات
تصميم أدوات التقويم الإلكترونيأصمم اختبارات قصيرة إلكترونية لقياس تعلم الطالبات. أستخدم أنواعًا متعددة من الأسئلة في الاختبار الإلكتروني.
تطبيق التقويم الإلكترونيأطبق التقويم الإلكتروني في أثناء الحصة. أتابع إجابات الطالبات إلكترونيًا في الوقت نفسه.
توظيف نتائج التقويمأستخدم نتائج التقويم الإلكتروني في تحديد الطالبات اللاتي يحتجن إلى دعم. أقدم تغذية راجعة للطالبات بناءً على نتائجهن الإلكترونية.

لاحظ أن كل عبارة تقيس سلوكًا واحدًا محددًا تعرفه المعلمة من خبرتها المباشرة، وأن صياغتها بضمير المتكلم تناسب مقياس تكرار مثل: دائمًا، غالبًا، أحيانًا، نادرًا، أبدًا. وبعد كتابة العبارات راجع كل محور واسأل نفسك: هل تغطي هذه العبارات البعد كاملًا؟ وهل توجد عبارة تتكرر بصيغة أخرى؟ ثم انتقل إلى مراجعتها في ضوء قواعد الصياغة الآتية.

قواعد صياغة عبارات الاستبانة

  • فكرة واحدة في كل عبارة: تجنب العبارات المزدوجة التي تجمع أمرين.
  • لغة واضحة ومختصرة: تناسب مستوى المستجيبين، بعيدة عن المصطلحات الغامضة.
  • تجنب النفي ونفي النفي: لأنه يربك المستجيب ويضعف دقة الإجابة.
  • تجنب العبارات الإيحائية: التي توجه المستجيب إلى إجابة معينة.
  • تجنب الكلمات المطلقة: مثل «دائمًا» و«أبدًا» داخل العبارة إذا كان المقياس نفسه يقيس التكرار.
  • ملاءمة العبارة لخبرة المستجيب: لا تسأل المعلم عن أمور لا يطلع عليها.
  • انسجام العبارة مع مقياس الاستجابة: فعبارات التكرار تناسب مقياس «دائمًا... أبدًا»، وعبارات الرأي تناسب مقياس الموافقة.
  • العبارات السالبة: إن استخدمتها فتذكّر عكس ترميزها قبل التحليل.
قبل: «يشرك القائد المعلمين في اتخاذ القرارات ويفوضهم بعض الصلاحيات».
بعد: عبارتان منفصلتان: «يشرك القائد المعلمين في اتخاذ القرارات المدرسية» و«يفوض القائد المعلمين بعض الصلاحيات الإدارية».

اختيار مقياس الاستجابة: مقياس ليكرت

يُنسب مقياس ليكرت إلى Rensis Likert الذي نشر طريقته في قياس الاتجاهات عام 1932. ويقوم على عرض عبارات يحدد المستجيب درجة موافقته عليها على تدرج مرتب من عدة نقاط. والأكثر شيوعًا في الرسائل العربية المقياس الخماسي، مثل: موافق بشدة، موافق، محايد، غير موافق، غير موافق بشدة، أو تدرج الدرجة: كبيرة جدًا، كبيرة، متوسطة، قليلة، قليلة جدًا.

تفسير المتوسطات

من الأساليب الشائعة في تفسير متوسطات المقياس الخماسي حساب طول الفئة بقسمة المدى على عدد الفئات: (5 − 1) ÷ 5 = 0.80، فتصبح الفئات:

مدى المتوسطالدرجة
1.00 – 1.80قليلة جدًا
1.81 – 2.60قليلة
2.61 – 3.40متوسطة
3.41 – 4.20كبيرة
4.21 – 5.00كبيرة جدًا

وهذا أسلوب اصطلاحي متعارف عليه، وليس قاعدة إحصائية ملزمة، فاذكره صراحة في فصل الإجراءات، والتزم بما يعتمده قسمك.

تحكيم الاستبانة والتطبيق الاستطلاعي

التحكيم (الصدق الظاهري وصدق المحتوى)

اعرض الصورة الأولية للاستبانة على مجموعة من المتخصصين في مجال الدراسة وفي القياس والمناهج، واطلب منهم الحكم على: مدى انتماء كل عبارة لمحورها، ووضوح صياغتها، وسلامتها اللغوية، وكفاية العبارات لتغطية كل محور، مع اقتراح ما يرونه من تعديل أو حذف أو إضافة. ثم عدّل الاستبانة بناءً على ما اتفق عليه أغلب المحكمين، ووثّق ذلك في الرسالة.

العينة الاستطلاعية

طبّق الاستبانة بعد التحكيم على عينة استطلاعية من مجتمع الدراسة ومن خارج العينة الأساسية، بهدف التأكد من وضوح التعليمات والعبارات، وتقدير زمن الإجابة، وحساب مؤشرات الصدق والثبات قبل التطبيق النهائي.

التحقق من الصدق والثبات

الصدق يعني أن الأداة تقيس ما وُضعت لقياسه، ومن صوره:

  • صدق المحتوى والصدق الظاهري: من خلال التحكيم.
  • صدق الاتساق الداخلي: بحساب معامل الارتباط بين درجة كل عبارة والدرجة الكلية لمحورها، وهو إجراء شائع في الرسائل العربية، وتعدّه بعض المراجع الأجنبية مؤشرًا على الاتساق الداخلي أكثر منه دليلًا على الصدق.
  • صدق البناء: ويُتحقق منه في الدراسات المتقدمة بالتحليل العاملي الاستكشافي أو التوكيدي.

الثبات يعني اتساق نتائج الأداة إذا أعيد تطبيقها في ظروف مماثلة، ومن طرقه:

  • معامل ألفا كرونباخ الذي قدمه Cronbach عام 1951، وهو الأكثر استخدامًا. ويُستشهد كثيرًا بـ Nunnally (1978) في اعتبار القيمة 0.70 فأعلى مقبولة، وهي قيمة اصطلاحية لا حدًا قاطعًا.
  • التجزئة النصفية.
  • إعادة التطبيق على المجموعة نفسها بعد فترة زمنية مناسبة.

ملاحظة عن ترجمة المقاييس الأجنبية

إذا اعتمدت على مقياس منشور بلغة أجنبية، فلا تكتفِ بترجمة شخصية سريعة. ومن الطرق المعروفة في ذلك الترجمة العكسية التي عرضها Brislin عام 1970، وخطواتها باختصار:

  1. يترجم مترجم مؤهل المقياس من اللغة الأصلية إلى العربية.
  2. يترجم مترجم آخر مستقل، لم يطلع على الأصل، النسخة العربية إلى اللغة الأصلية.
  3. تُقارن النسخة المترجمة عكسيًا بالأصل، وتُعالج الفروق في المعنى.
  4. تُكيّف العبارات لتناسب البيئة الثقافية، ثم تُعرض على المحكمين وتُجرّب استطلاعيًا.

واحرص على الحصول على إذن أصحاب المقياس إن كان محميًا بحقوق، والإشارة إلى المصدر الأصلي في الرسالة.

أسئلة شائعة

كم عدد عبارات الاستبانة المناسب؟

لا يوجد عدد ثابت متفق عليه؛ فالمهم أن تغطي العبارات كل محور تغطية كافية، وأن تكون متوازنة بين المحاور، وألا تطول الاستبانة إلى درجة تُتعب المستجيب وتؤثر في جدية إجاباته. راجع استبانات الدراسات السابقة في موضوعك لتقدير الحجم المعتاد، واستفد من العينة الاستطلاعية في تقدير زمن الإجابة.

هل الأفضل مقياس ليكرت الخماسي أم الثلاثي؟

المقياس الخماسي هو الأكثر استخدامًا لأنه يوفر تمييزًا أدق بين درجات الاستجابة مع بقائه سهلًا على المستجيب. أما الثلاثي فأبسط لكنه أقل دقة، وقد يناسب فئات معينة كصغار السن. اختر التدرج الذي يناسب طبيعة المستجيبين وأهداف دراستك، واستند في ذلك إلى الدراسات السابقة وتوجيه مشرفك.

ما الفرق بين صدق الاستبانة وثباتها؟

الصدق يعني أن الاستبانة تقيس فعلًا ما وُضعت لقياسه، ويُتحقق منه بالتحكيم والاتساق الداخلي والتحليل العاملي. أما الثبات فيعني أن الاستبانة تعطي نتائج متسقة إذا أعيد تطبيقها في ظروف مماثلة، ويُقاس غالبًا بمعامل ألفا كرونباخ أو التجزئة النصفية أو إعادة التطبيق. والأداة قد تكون ثابتة دون أن تكون صادقة.

هل يدخل أفراد العينة الاستطلاعية في العينة الأساسية؟

الشائع أن يُستبعد أفراد العينة الاستطلاعية من العينة الأساسية؛ لأنهم اطلعوا على الأداة مسبقًا، ولأن الاستبانة قد تُعدّل بعد التطبيق الاستطلاعي. لذلك يُختارون من مجتمع الدراسة نفسه ومن خارج العينة الأساسية. وراجع دليل جامعتك ومشرفك إن كان لقسمك توجيه مختلف.

الخلاصة

ابدأ بناء الاستبانة من أسئلة دراستك، ثم حوّل المتغيرات إلى محاور وعبارات واضحة تحمل كل منها فكرة واحدة، واختر مقياس استجابة مناسبًا، ثم حكّمها وجرّبها استطلاعيًا وتحقق من صدقها وثباتها قبل التطبيق النهائي. وإن ترجمت مقياسًا أجنبيًا فاتبع خطوات الترجمة العكسية.

المراجع

  1. Likert, R. (1932). A technique for the measurement of attitudes. Archives of Psychology, 140, 1–55.
  2. Cronbach, L. J. (1951). Coefficient alpha and the internal structure of tests. Psychometrika, 16(3), 297–334.
  3. Nunnally, J. C. (1978). Psychometric theory (2nd ed.). McGraw-Hill.
  4. Brislin, R. W. (1970). Back-translation for cross-cultural research. Journal of Cross-Cultural Psychology, 1(3), 185–216.
  5. Creswell, J. W., & Creswell, J. D. (2018). Research design: Qualitative, quantitative, and mixed methods approaches (5th ed.). SAGE.

تحتاج من يراجع عملك؟

يقرأ ملفك متخصص من قسمك، ويرد عليك بخطة واضحة ونطاق عمل مكتوب قبل البدء.

تواصل عبر واتساب