المجموعات البؤرية في البحث العلمي: متى تستخدمها وكيف تديرها وتحللها
كل ما تحتاجه لتصميم جلسات المجموعات البؤرية في رسالتك: متى تناسب سؤالك، وكم مشاركًا تدعو، وكيف تبني دليل الأسئلة وتدير النقاش، ثم تسجل البيانات وتحللها وتحفظ حقوق المشاركين.
يلجأ كثير من الباحثين إلى المجموعات البؤرية، أو مجموعات التركيز، لأنها تتيح الاستماع إلى عدة مشاركين في جلسة واحدة. لكن هذا الدافع وحده قد يقود إلى أخطاء منهجية؛ فالمجموعة البؤرية ليست مقابلة فردية مكررة أمام جمهور، بل أداة لها منطقها الخاص، تقوم على التفاعل بين المشاركين، وتتطلب إعدادًا دقيقًا في اختيار المشاركين وإدارة النقاش وتحليل البيانات.
في هذا المقال ستتعرف على مفهوم المجموعات البؤرية، ومتى تناسب بحثك، وحجم المجموعة وتكوينها وعدد الجلسات، وطريقة بناء دليل المحاور، ودور مدير الجلسة، ثم التسجيل والتحليل والضوابط الأخلاقية، مع أمثلة من سياق الجامعات الخليجية.
ما المجموعات البؤرية؟
المجموعة البؤرية أسلوب لجمع البيانات النوعية، يجتمع فيه عدد محدود من المشاركين الذين يشتركون في خبرة أو خاصية معينة، لمناقشة موضوع محدد بتوجيه من مدير للجلسة. وما يميزها عن المقابلة الفردية هو أن التفاعل بين المشاركين جزء من البيانات نفسها؛ فالمشارك يعلق على كلام غيره، ويوافقه أو يخالفه، ويتذكر جوانب لم تكن لتظهر في مقابلة فردية. وقد أكد Morgan هذه الخاصية حين عدّ التفاعل الجماعي مصدرًا أساسيًا للبيانات في هذا الأسلوب.
إذا كان المدير يطرح السؤال على كل مشارك بالترتيب ويكتفي بإجابته دون أي نقاش بينهم، فهذه مقابلة جماعية لا مجموعة بؤرية بالمعنى الدقيق.
متى تستخدم المجموعات البؤرية؟ ومتى تتجنبها؟
تناسب المجموعات البؤرية الحالات الآتية:
- استكشاف تصورات فئة ما وخبراتها: مثل تصورات طلاب السنة الأولى عن الإرشاد الأكاديمي.
- بناء أداة كمية: لتوليد عبارات استبانة بلغة الفئة المستهدفة قبل تطبيقها على عينة واسعة.
- تفسير نتائج كمية: في التصميم المختلط التفسيري، لفهم أسباب نتيجة غير متوقعة.
- تقويم برنامج أو خدمة: لمعرفة جوانب القوة والضعف من وجهة نظر المستفيدين.
وتجنبها في هذه الحالات:
- الموضوعات الحساسة أو الشخصية التي يتحرج المشارك من الحديث عنها أمام غيره.
- حين تريد قياس مدى انتشار رأي في المجتمع؛ فهذا سؤال كمي.
- حين يجمع المشاركين تفاوت في السلطة، كقائد المدرسة مع معلميه، لأن ذلك يقيد حرية التعبير.
ويمكن أن تكون المجموعات البؤرية الأداة الوحيدة في دراسة نوعية، أو أداة مساندة إلى جانب المقابلات الفردية والاستبانة. فإن جمعت بينها وبين أدوات أخرى فحدد وظيفة كل أداة بوضوح في فصل المنهجية، وبيّن كيف ستربط بين نتائجها عند المناقشة.
كم عدد المشاركين في المجموعة البؤرية؟ وكم مجموعة تحتاج؟
لا يوجد رقم ملزم، لكن أدبيات المجموعات البؤرية تقدم إرشادات عامة. فقد اقترح Krueger و Casey مجموعات صغيرة نسبيًا، تتراوح عادة بين خمسة وثمانية مشاركين تقريبًا، وقد تتسع أو تضيق بحسب الموضوع؛ فالمجموعة الأصغر تمنح كل مشارك وقتًا أطول، وتناسب الموضوعات المعقدة أو حين تكون خبرة المشاركين عميقة، أما المجموعة الكبيرة فقد تنقسم إلى أحاديث جانبية ويصعب إدارتها.
أما عدد المجموعات فيقترح Krueger و Casey البدء بثلاث إلى أربع مجموعات لكل فئة من المشاركين تريد تحليلها، مع الاستمرار حتى لا تظهر أفكار جديدة مهمة، وهو ما يسمى التشبع. فإن كانت دراستك تقارن بين الطلاب والطالبات مثلًا، فكل فئة تحتاج مجموعاتها الخاصة.
تكوين المجموعة
- التجانس في الخاصية الأساسية: كأن يكون جميع المشاركين من معلمي المرحلة نفسها، مع تنوع في جوانب أخرى كسنوات الخبرة.
- تجنب التفاوت الوظيفي: لا تجمع الرؤساء ومرؤوسيهم في جلسة واحدة.
- مراعاة الأنظمة والأعراف: اعقد الجلسات وفق أنظمة المؤسسة التي تجري فيها البحث وأعراف المجتمع، كتنظيم جلسات منفصلة للرجال والنساء.
- دعوة عدد احتياطي: لأن بعض المدعوين قد يعتذرون في اللحظة الأخيرة.
كيف تبني دليل المحاور وتدير الجلسة؟
يقسم Krueger و Casey أسئلة المجموعة البؤرية إلى خمسة أنواع تتدرج من العام إلى الخاص:
| نوع السؤال | وظيفته | مثال توضيحي عن تجربة طلاب السنة التحضيرية مع التعلم المدمج |
|---|---|---|
| افتتاحي | كسر الحاجز، ويجيب عنه الجميع بإيجاز | عرّف نفسك باسمك الأول وتخصصك المتوقع. |
| تمهيدي | إدخال المشاركين في الموضوع | ما أول ما يخطر في بالك عند سماع عبارة التعلم المدمج؟ |
| انتقالي | ربط الموضوع بخبرات المشاركين | صف مقررًا درسته بهذا الأسلوب هذا الفصل. |
| رئيس | جوهر الدراسة، ويحظى بمعظم الوقت | ما الذي ساعدك على التعلم في الجزء الإلكتروني؟ وما الذي أعاقك؟ |
| ختامي | التلخيص وإتاحة الفرصة لإضافة أخيرة | لو كان لك أن تقدم نصيحة واحدة لإدارة البرنامج، فماذا تقول؟ |
ويقترحان أن يُخصص نصف وقت الجلسة على الأقل للأسئلة الرئيسة، وأن يكون عددها محدودًا.
دور المدير والمساعد
يحتاج المدير إلى مهارة في إدارة النقاش: يطرح السؤال ثم يصمت قليلًا، ويطلب التوضيح بأسئلة مثل «هل يمكن أن تعطينا مثالًا؟»، ويحد بلطف من سيطرة مشارك واحد، ويدعو المشاركين الأقل حديثًا. ولا يقدم رأيه ولا يصحح آراء المشاركين. ويُفضَّل وجود مساعد يدوّن الملاحظات ويتابع التسجيل ويرصد لغة الجسد ومواضع الاتفاق والاختلاف.
كيف تسجل الجلسة وتفرغها؟
- التسجيل الصوتي: بعد الحصول على موافقة صريحة من جميع المشاركين، مع اختبار جهاز التسجيل قبل الجلسة.
- الملاحظات الميدانية: يدوّن المساعد ترتيب الجلوس ورموز المشاركين ليسهل تمييز المتحدثين عند التفريغ.
- جلسة المراجعة الفورية: يجتمع المدير والمساعد بعد الجلسة مباشرة لتدوين الانطباعات الرئيسة والأفكار البارزة.
- التفريغ الحرفي: يُفرغ التسجيل نصًا مع ترميز كل متحدث، مثل م1 وم2، دون أسماء حقيقية.
- الجلسات الافتراضية: إن عقدتها عبر الإنترنت فتأكد من سياسة المنصة في حفظ التسجيلات، وأبلغ المشاركين بها.
كيف تحلل بيانات المجموعات البؤرية؟
يوصي Krueger و Casey بأن يكون التحليل منظمًا وقابلًا للتحقق، يبدأ بتحليل كل مجموعة على حدة ثم المقارنة بين المجموعات. ويستخدم كثير من الباحثين التحليل الموضوعي وفق مراحل Braun و Clarke، مع مراعاة خصوصية البيانات الجماعية:
- اقرأ النصوص مرات متعددة: مع ملاحظات المساعد وجلسة المراجعة.
- رمّز البيانات: مع الانتباه إلى المضمون وإلى التفاعل، مثل مواضع الإجماع والخلاف وتغير الآراء أثناء النقاش.
- ابنِ الموضوعات: واختبرها عبر المجموعات المختلفة.
- قارن بين الفئات: إن كانت دراستك تضم فئات مختلفة.
وحدة التحليل في المجموعة البؤرية هي المجموعة غالبًا لا الفرد؛ لذلك تجنب عرض النتائج بنسب مئوية للأفراد، مثل «وافق 70% من المشاركين»، لأن الآراء تتأثر بالنقاش الجماعي. واعرض بدلًا من ذلك مدى انتشار الفكرة عبر المجموعات وقوة التعبير عنها، مع اقتباسات ممثلة.
أخلاقيات المجموعات البؤرية والموافقة المستنيرة
تثير المجموعات البؤرية تحديًا أخلاقيًا خاصًا؛ فالباحث يستطيع أن يلتزم بالسرية، لكنه لا يستطيع أن يضمن التزام المشاركين الآخرين بها. لذلك:
- وضّح في نموذج الموافقة هدف الدراسة، وطريقة التسجيل، وكيفية حفظ البيانات، وحق الانسحاب في أي وقت.
- اطلب من المشاركين في بداية الجلسة احترام خصوصية ما يقال وعدم نقله خارجها، وصرّح بأن السرية الكاملة لا يمكن ضمانها.
- نبّه المشاركين إلى تجنب ذكر معلومات شخصية حساسة أو أسماء أشخاص آخرين.
- احصل على موافقة لجنة أخلاقيات البحث في جامعتك وموافقة الجهة التي تجري فيها الدراسة، وراجع دليل جامعتك.
- استخدم رموزًا بدل الأسماء في التفريغ والاقتباسات، واحذف ما قد يكشف الهوية.
أخطاء شائعة عند استخدام المجموعات البؤرية
- جلسة واحدة فقط: ثم تعميم نتائجها كأنها تمثل الفئة كلها.
- أسئلة كثيرة: تحول الجلسة إلى استبانة شفوية بلا نقاش حقيقي.
- أسئلة موجهة: مثل «ألا ترون أن البرنامج مفيد؟».
- إغفال التفاعل في التحليل: وتحليل النص كأنه مجموعة مقابلات فردية.
- مدير غير محايد: يعلق على الآراء أو يكشف موقفه من الموضوع.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين المجموعة البؤرية والمقابلة الفردية؟
المقابلة الفردية تتيح عمقًا في خبرة شخص واحد وتناسب الموضوعات الحساسة، أما المجموعة البؤرية فتجمع عدة مشاركين يتفاعلون فيما بينهم، فيظهر من نقاشهم اتفاق واختلاف وأفكار لم تكن لتظهر منفردة. لكنها أقل مناسبة للخبرات الشخصية الدقيقة، وقد يتأثر فيها بعض المشاركين بآراء غيرهم أو بالرغبة في مسايرة المجموعة.
كم عدد المشاركين المناسب في المجموعة البؤرية؟
لا يوجد رقم ملزم، لكن Krueger و Casey يقترحان مجموعات صغيرة نسبيًا تتراوح عادة بين خمسة وثمانية مشاركين تقريبًا، مع إمكانية التعديل بحسب الموضوع وخبرة المشاركين. فالمجموعة الأصغر تناسب الموضوعات المعقدة وتمنح كل مشارك وقتًا أطول، ويُفضَّل دعوة عدد احتياطي تحسبًا لاعتذار بعض المدعوين.
كم مجموعة بؤرية أحتاج في رسالة الماجستير؟
يقترح Krueger و Casey البدء بثلاث إلى أربع مجموعات لكل فئة من المشاركين تريد تحليلها، ثم الاستمرار حتى الوصول إلى التشبع، أي حين لا تظهر أفكار جديدة مهمة. فإن كانت دراستك تضم فئتين كالمعلمين والمعلمات فكل فئة تحتاج مجموعاتها. وراجع مشرفك في ضوء الوقت والموارد المتاحة.
هل يمكن عرض نتائج المجموعات البؤرية بنسب مئوية؟
لا يُنصح بذلك غالبًا؛ لأن وحدة التحليل هي المجموعة لا الفرد، والآراء تتشكل وتتغير أثناء النقاش، وقد يسكت بعض المشاركين دون أن يعني ذلك موافقتهم. والأفضل وصف مدى ظهور الموضوع عبر المجموعات، ومواضع الإجماع والخلاف، وقوة التعبير عن الفكرة، مع اقتباسات ممثلة من كلام المشاركين.
المجموعات البؤرية أداة نوعية تقوم على التفاعل بين مشاركين متجانسين بإدارة محايدة ودليل أسئلة متدرج. وتتحقق جودتها حين تعقد عددًا كافيًا من الجلسات، وتحلل المضمون والتفاعل معًا، وتراعي حدود السرية في البيئة الجماعية.
المراجع
- Krueger, R. A., & Casey, M. A. (2015). Focus groups: A practical guide for applied research (5th ed.). SAGE.
- Morgan, D. L. (1997). Focus groups as qualitative research (2nd ed.). SAGE.
- Braun, V., & Clarke, V. (2006). Using thematic analysis in psychology. Qualitative Research in Psychology, 3(2), 77–101.
خدمات مرتبطة بهذا الموضوع
تحتاج من يراجع عملك؟
يقرأ ملفك متخصص من قسمك، ويرد عليك بخطة واضحة ونطاق عمل مكتوب قبل البدء.
تواصل عبر واتساب