اطلب تقييم عملك
المنهجية

أسلوب دلفي في البحث العلمي: الجولات واختيار الخبراء ومعايير الإجماع

كيف تصمم دراسة دلفي متماسكة: من اختيار الخبراء وصياغة الجولة الأولى إلى التغذية الراجعة الإحصائية وتحديد معيار الإجماع مسبقًا، مع مثال توضيحي لبناء معايير في التعليم الجامعي.

قراءة في ٦ دقائق·هيئة تحرير رسالتي

حين يريد الباحث بناء قائمة كفايات، أو معايير لجودة برنامج، أو مؤشرات لتقويم مقرر، يجد أن الأدبيات وحدها لا تكفي، وأن الاستبانة التقليدية تجمع آراء متفرقة دون أن تصل إلى اتفاق. وهنا يأتي أسلوب دلفي بوصفه طريقة منظمة لاستطلاع آراء الخبراء على عدة جولات، يطلع فيها كل خبير على اتجاه آراء زملائه دون أن يعرف هوياتهم، ثم يعيد النظر في تقديره حتى تتضح مواضع الإجماع والخلاف.

في هذا المقال ستتعرف على أسلوب دلفي وخصائصه، ومتى تستخدمه، وكيف تختار لجنة الخبراء، وكيف تصمم الجولات والاستبانة بينها، ثم معايير الإجماع كما وردت في الأدبيات مع التنبيه إلى تفاوتها، ومثال توضيحي من سياق الجامعات الخليجية.

ما أسلوب دلفي وما خصائصه؟

أسلوب دلفي طريقة لجمع آراء مجموعة من الخبراء وتنقيحها عبر جولات متتابعة من الاستبانات، يتلقى فيها المشاركون بعد كل جولة ملخصًا لاستجابات المجموعة، ثم يعيدون تقدير البنود في ضوئه. وقد نشأ في مؤسسة RAND الأمريكية، ومن أوائل ما نُشر عنه مقال Dalkey و Helmer عام 1963 في مجلة Management Science. ثم توسع استخدامه في التخطيط والتعليم والصحة، وجمع Linstone و Turoff تطبيقاته في كتابهما المعروف.

ويتميز أسلوب دلفي بأربع خصائص رئيسة:

  • إخفاء الهوية: لا يعرف الخبراء بعضهم في أثناء الدراسة، فيقل تأثير المكانة العلمية أو الشخصيات المهيمنة.
  • التكرار: تُجمع الآراء على جولات متعددة لا مرة واحدة.
  • التغذية الراجعة المضبوطة: يتلقى كل خبير ملخصًا لاستجابات المجموعة، وأحيانًا تعليقات زملائه، قبل الجولة التالية.
  • الاستجابة الإحصائية للمجموعة: تُلخص الآراء بمؤشرات مثل الوسيط ونسبة الاتفاق ومقاييس التشتت.

متى تستخدم أسلوب دلفي في رسالتك؟

يناسب أسلوب دلفي المواقف التي تقل فيها الأدلة الحاسمة، ويكون رأي الخبراء المصدر الأنسب للمعرفة، ومن أمثلتها في البحوث التربوية والإدارية:

  • بناء قوائم الكفايات المهنية لفئة معينة من المعلمين أو القادة.
  • اشتقاق معايير لجودة برنامج أو مقرر أو بيئة تعلم.
  • تحديد أولويات التطوير في مؤسسة أو قطاع.
  • استشراف التوجهات المستقبلية لمجال ما.
  • بناء إطار مقترح لمنهج دراسي أو برنامج تدريبي.

ولا يناسب الأسئلة التي تهدف إلى قياس آراء مجتمع واسع أو تعميمها؛ فالخبراء في دراسة دلفي لا يمثلون مجتمعًا إحصائيًا، بل يُختارون قصديًا لخبرتهم. كما أن الإجماع لا يعني بالضرورة أن الرأي صحيح، بل يعني أن الخبراء المشاركين اتفقوا عليه.

كيف تختار لجنة الخبراء؟ وكم عددهم؟

يرى Hsu و Sandford أن اختيار المشاركين هو أهم خطوة في دراسة دلفي كلها، ويشيران إلى أن الأدبيات لا تقدم معيارًا دقيقًا موحدًا للاختيار. لذلك عليك أن تضع معايير واضحة وتوثقها، ومنها:

  • سنوات خبرة محددة في المجال.
  • مؤهل علمي أو منصب مهني مرتبط بالموضوع.
  • إنتاج علمي أو مشاركة في لجان ذات صلة.
  • الاستعداد للمشاركة في جميع الجولات.

وفيما يتعلق بالعدد لا توجد قاعدة ملزمة، ويعرض Hsu و Sandford آراء متعددة: منها أن عشرة إلى خمسة عشر خبيرًا قد يكفون إذا كانت خلفياتهم متجانسة، وأن كثيرًا من الدراسات استخدمت ما بين خمسة عشر وعشرين مشاركًا، وأن حجم اللجنة يكون غالبًا أقل من خمسين وإن استُخدمت أعداد أكبر. وراعِ أن بعض الخبراء قد ينسحبون بين الجولات، فادعُ عددًا يسمح بذلك، وأبلغهم مسبقًا بعدد الجولات المتوقع ومدتها.

نصيحة عملية:

نوّع الخبراء بحسب الأدوار التي تتصل بالموضوع، كأعضاء هيئة التدريس والقيادات الأكاديمية والممارسين الميدانيين، إن كان هدفك معايير قابلة للتطبيق، ووضح في فصل المنهجية مبرر هذا التنوع.

جولات دلفي: ماذا يحدث في كل جولة؟

يشير Hsu و Sandford إلى أن ثلاث جولات كثيرًا ما تكفي للوصول إلى الإجماع في معظم الحالات، وأن العدد قد يتراوح بين ثلاث وخمس جولات:

الجولةما يقدم للخبراءما يُطلب منهم
الأولىأسئلة مفتوحة حول الموضوع، أو قائمة مبدئية مشتقة من مراجعة الأدبياتاقتراح البنود أو التعليق على القائمة والإضافة إليها
الثانيةاستبانة مغلقة مبنية على نتائج الجولة الأولىتقدير كل بند على مقياس متدرج
الثالثةالاستبانة نفسها مع ملخص إحصائي لاستجابات المجموعة واستجابة الخبير السابقةمراجعة التقدير أو تبرير البقاء خارج رأي الأغلبية
الرابعة (عند الحاجة)البنود التي لم يتحقق فيها الإجماع مع آراء الأقليةفرصة أخيرة لمراجعة التقدير

والبدء بجولة أولى مغلقة مبنية على الأدبيات تعديل مقبول منهجيًا، لكن عليك أن تتيح للخبراء إضافة بنود جديدة، وأن تبرر هذا الاختيار.

كيف تصمم الاستبانة بين الجولات؟

  1. حلل إجابات الجولة الأولى: بتحليل محتوى منظم، فادمج المقترحات المتكررة، وحافظ على لغة الخبراء قدر الإمكان، ووثق كيف تحولت الإجابات إلى بنود.
  2. صغ البنود بدقة: بند واحد لكل فكرة، دون صياغات مركبة أو موجهة.
  3. اختر مقياس التقدير: مثل مقياس متدرج لدرجة الأهمية أو الملاءمة، وثبته في جميع الجولات حتى تكون المقارنة ممكنة.
  4. صمم التغذية الراجعة: اعرض لكل بند الوسيط ومقياس التشتت كالمدى الربيعي أو نسبة الاتفاق، مع تقدير الخبير نفسه في الجولة السابقة، وملخص مجهول المصدر للتعليقات المهمة.
  5. حدد مصير البنود مسبقًا: هل تُستبعد البنود التي تحقق فيها الإجماع من الجولات التالية أم تبقى؟ وما الذي يحدث للبنود التي لم يتحقق فيها؟
  6. جرّب الاستبانة: على عدد محدود من غير المشاركين للتأكد من وضوحها قبل إرسالها.

ما معايير الإجماع في أسلوب دلفي؟

لا يوجد معيار إجماع واحد متفق عليه، وتختلف الدراسات اختلافًا واضحًا في تعريفه. ومن الأمثلة التي يعرضها Hsu و Sandford:

  • معيار Ulschak: يتحقق الإجماع حين تقع 80% من تقديرات الخبراء في فئتين على مقياس سباعي.
  • معيار Green: أن يقدّر 70% على الأقل من الخبراء البند بثلاث درجات فأكثر على مقياس رباعي، مع وسيط لا يقل عن 3.25.
  • رأي Scheibe وزملائه: أن نسب الاتفاق وحدها غير كافية، واقتراح قياس استقرار استجابات الخبراء عبر الجولات المتتالية.

وفي مراجعة منهجية أجراها Diamond وزملاؤه على عينة من مئة دراسة دلفي، كانت نسبة الاتفاق أكثر تعريفات الإجماع شيوعًا، وكان وسيط الحد المستخدم 75%، لكن كثيرًا من الدراسات لم تعرّف الإجماع أصلًا أو لم تحدده قبل جمع البيانات. وانتهت المراجعة إلى أن تعريفات الإجماع تتفاوت كثيرًا ويضعف توثيقها، ودعت إلى تحسين معايير تقرير مناهج دراسات دلفي.

القاعدة الذهبية:

حدد معيار الإجماع، ومعيار التوقف، وعدد الجولات الأقصى في خطة البحث قبل جمع البيانات، واذكر مصدر المعيار الذي اعتمدته، ولا تغيره بعد رؤية النتائج.

مثال توضيحي: بناء معايير لجودة المقررات الإلكترونية

المثال الآتي افتراضي لأغراض التوضيح: باحث في إحدى الجامعات الخليجية يريد بناء قائمة معايير لجودة المقررات الإلكترونية في كليات التربية.

  • لجنة الخبراء: أعضاء هيئة تدريس متخصصون في تقنيات التعليم والمناهج، ومسؤولون عن التعلم الإلكتروني في عدد من الجامعات، وفق معايير اختيار مكتوبة.
  • الجولة الأولى: قائمة مبدئية من مراجعة الأدبيات والأطر المعروفة، مع سؤال مفتوح لإضافة معايير جديدة.
  • الجولة الثانية: تقدير أهمية كل معيار على مقياس متدرج.
  • الجولة الثالثة: إعادة التقدير بعد الاطلاع على الوسيط والمدى الربيعي وتقدير الخبير السابق.
  • معيار الإجماع: نسبة اتفاق محددة مسبقًا مستندة إلى مرجع موثق، مع مراقبة استقرار الاستجابات.
  • المخرج: قائمة معايير نهائية، مع عرض البنود التي لم يتحقق فيها الإجماع ومناقشة أسباب الخلاف حولها.

أخطاء شائعة في دراسات دلفي

  • غياب معايير اختيار الخبراء: أو الاكتفاء بعبارة «مجموعة من المتخصصين».
  • عدم تحديد معيار الإجماع مسبقًا: أو اختياره بعد رؤية النتائج.
  • جولة واحدة فقط: وهي في الحقيقة استبانة للخبراء لا دراسة دلفي.
  • تغذية راجعة ناقصة: لا تتيح للخبير مقارنة تقديره برأي المجموعة.
  • إغفال نسبة الانسحاب: بين الجولات وأثرها في النتائج.
  • تقديم الإجماع على أنه حقيقة مطلقة: بدل وصفه بأنه اتفاق لجنة محددة في سياق محدد.

أسئلة شائعة

كم عدد جولات أسلوب دلفي؟

لا يوجد عدد ثابت، لكن Hsu و Sandford يشيران إلى أن ثلاث جولات كثيرًا ما تكفي للوصول إلى الإجماع، وأن العدد قد يتراوح بين ثلاث وخمس جولات. والأفضل أن تحدد في خطة البحث العدد الأقصى للجولات ومعيار التوقف مسبقًا، كأن تتوقف عند تحقق الإجماع أو استقرار الاستجابات أو بلوغ العدد الأقصى.

كم عدد الخبراء المناسب في دراسة دلفي؟

لا توجد قاعدة ملزمة. يعرض Hsu و Sandford آراء منها أن عشرة إلى خمسة عشر خبيرًا قد يكفون إذا كانت خلفياتهم متجانسة، وأن كثيرًا من الدراسات استخدمت ما بين خمسة عشر وعشرين مشاركًا. والأهم من العدد وضوح معايير اختيار الخبراء، ومراعاة احتمال انسحاب بعضهم بين الجولات، وتبرير العدد في فصل المنهجية.

ما نسبة الإجماع المعتمدة في أسلوب دلفي؟

لا توجد نسبة واحدة متفق عليها، وتتفاوت الدراسات في ذلك. ففي مراجعة Diamond وزملائه كانت نسبة الاتفاق أكثر التعريفات شيوعًا، وكان وسيط الحد المستخدم 75%، ومن المعايير المنشورة أيضًا معيارا Ulschak بنسبة 80% و Green بنسبة 70%. المهم أن تحدد المعيار قبل جمع البيانات وتذكر مصدره.

ما الفرق بين أسلوب دلفي والاستبانة العادية؟

الاستبانة العادية تُطبق مرة واحدة على عينة يُفضَّل أن تمثل مجتمعًا أوسع لوصف آرائه، أما أسلوب دلفي فيطبق على لجنة خبراء مختارة قصديًا عبر جولات متعددة، مع تغذية راجعة عن استجابات المجموعة وإخفاء لهويات المشاركين، بهدف الوصول إلى الإجماع أو تحديد مواضع الخلاف لا قياس انتشار الرأي.

الخلاصة

أسلوب دلفي يجمع آراء خبراء مختارين بعناية عبر جولات متتابعة مع تغذية راجعة مجهولة الهوية حتى تتضح مواضع الإجماع والخلاف. وتتحقق جودته حين توثق معايير اختيار الخبراء، وتحدد معيار الإجماع والتوقف مسبقًا من مصدر موثق، وتعرض النتائج بوصفها اتفاق لجنة محددة لا حقيقة مطلقة.

المراجع

  1. Dalkey, N., & Helmer, O. (1963). An experimental application of the Delphi method to the use of experts. Management Science, 9(3), 458–467. https://doi.org/10.1287/mnsc.9.3.458
  2. Linstone, H. A., & Turoff, M. (Eds.). (1975). The Delphi method: Techniques and applications. Addison-Wesley.
  3. Hsu, C.-C., & Sandford, B. A. (2007). The Delphi technique: Making sense of consensus. Practical Assessment, Research, and Evaluation, 12(10). https://doi.org/10.7275/pdz9-th90
  4. Diamond, I. R., Grant, R. C., Feldman, B. M., Pencharz, P. B., Ling, S. C., Moore, A. M., & Wales, P. W. (2014). Defining consensus: A systematic review recommends methodologic criteria for reporting of Delphi studies. Journal of Clinical Epidemiology, 67(4), 401–409. https://doi.org/10.1016/j.jclinepi.2013.12.002

خدمات مرتبطة بهذا الموضوع

تحتاج من يراجع عملك؟

يقرأ ملفك متخصص من قسمك، ويرد عليك بخطة واضحة ونطاق عمل مكتوب قبل البدء.

تواصل عبر واتساب